أبو الليث السمرقندي
74
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
عن منصور بن زرين قال : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ هذا كله شيء واحد . يعني : أنه نعتهم بأعمالهم الخبيثة . ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا يعني : لا يساكنوك في المدينة إلا قليلا حتى أهلكهم . ويقال : إلا جوارا قليلا . ويقال : إلا قليلا منهم . وقال قتادة : إن أناسا من المنافقين أرادوا أن يظهروا نفاقهم فنزلت هذه الآية . ثم قال عز وجل : مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا يعني : يجعلهم ملعونين أينما وجدوا . فأوجب اللّه تعالى لهم اللعنة على كل حال أينما وجدوا وأدركوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا فلما سمعوا بالقتل ، انتهوا عن ذلك . قوله عز وجل : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ يعني : سنة اللّه في الزناة القتل . ويقال : هذا سنة اللّه في الذين مضوا من قبل . يعني : الذين أضمروا النفاق بأن يسلط اللّه عليهم الأنبياء بالقتل سُنَّةَ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يعني : مبدلا ومغيرا . قوله عز وجل : يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ يعني : عن قيام الساعة وذلك أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فسأله : متى الساعة ؟ فقال - عليه السلام - : « ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل » . فنزل قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ يعني : علم قيام الساعة عند اللّه وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً يعني : سريعا . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال : من أشراط الساعة أن يفتح القول ، ويحزن الفعل ، وأن ترفع الأشرار ، وتوضع الأخيار . ومعنى يفتح الأقوال : أن يقول أفعل غدا فإذا جاء غدا ، خالف قوله وقت الفعل . وأصل الفتح الابتداء ، وهو أن يعد لأخيه عدة حسنة ثم يخالفه . وقال عطاء بن أبي رباح : من اقتراب الساعة مطر ولا نبات ، وعلو أصوات الفساق في المساجد ، وظهور أولاد الزّنى ، وموت الفجأة ، وانبعاث الدويبضة يعني : السفلة من الناس . وقوله : لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ولم يقل قريبة ، لأنها جعلت ظرفا وبدلا ولم تجعل نعتا وصفة . ثم قال عز وجل : إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ يعني : خذلهم وطردهم من رحمته وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً يعني : جهنم . ويقال : لعن الكافرين في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة أعد لهم سعيرا خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يعني : قريبا ينفعهم وَلا نَصِيراً أي : مانعا يمنعهم من العذاب ، والسعير في اللغة هو النار الموقدة . ثم قال عز وجل : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني : تحول . يقول : هذا العذاب في يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني : تحول عن الحسن إلى القبح من حال البياض إلى حال السواد وزرقة الأعين . ويقال : تُقَلَّبُ يعني : تجدد كقوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً